بعيدا عن الصراعات: لا مؤاخذة .. نستاهل

 

أعترف أن هذا المقال قد لا يقرأه أحد وإن قرأه فلن يهتم به لأنه لا يدخل حلبة الصراع الأيدلوجي بقدر ما يعطي للإنسان قيمته وحقه بغض النظر عن المكاسب والخسائر الأيدلوجية المترتبة على حياته، والله المستعان..

 

اطلعت على خبر في صحيفة سبق هنا http://sabq.org/Awkfde تقول إن اللجنة المشكلة للتحقيق في حادث بلجرشي رفعت التقرير النهائي خلال يومين وأن بيانا صدر من شرطة منطقة الباحة يوضح ملابسات الحادث ونتائج التحقيق..

 

لن اعترض على أن التقرير تم إعداده خلال يومين بينما كان من المتوقع أن يستغرق شهرين على الأقل حسب خبرتي في التحقيق بالحوادث، لأنه من المستبعد أن تحصل على معلومة دقيقة وأكيدة خلال يومين أو حتى أسبوعين ما لم تكن اللجنة مشكلة من 12 جني يأتونك بالخبر قبل أن يرتد إليك طرفك.

 

كمختص بالسلامة لا أهتم من المدان في الحادث بقدر ما أهتم أن تكون أسباب الإدانة واضحة ومبررة إلا أن ما استفزني في التقرير هو عبارة واحدة تقول :

 (ثانيا: مؤاخذة الشركة المنفذة لكوبري الحميد (شركة الحربي) لافتقار الموقع لأدنى وسائل السلامة المرورية وعدم وجود مصدات خرسانية مما ساهم في وقوع هذه الحادثة المأساوية)

هذا الاستفزاز سببه عدة أمور :

 أولا:

لا يوجد في النظام شيء اسمه “مؤاخذة” وليست من ضمن العقوبات أو الإجراءات فهو إما مدان يتحمل نسبة من الخطأ أو بريء كليا.

 ثانياً:

لماذا تمت “مؤاخذة” المقاول ولم تؤاخذ وزارة النقل أو بلدية بلجرشي أو أيا كانت الجهة المسئولة عن الطريق؟ أم أن الضغط الاجتماعي جعل التقرير يتوجه للهيئة والدوريات ويتناسى الأطراف الأخرى لأن هذا هو الكلام الذي تريد الناس سماعه؟

 ثالثاً:

ماذا سيترتب على “مؤاخذة” المقاول، وما هي عقوبة الشركة التي تتم مؤاخذتها؟  

 رابعا:

على أي أساس رأت لجنة التحقيق أن الشركة لا تستحق أكثر من “المؤاخذة” فقط، هل لدى اللجنة نظام تتبعه في تقييم خطورة مخالفة المقاول وهذا النظام ينص على أن إهمال وسائل السلامة لا يستحق أكثر من “المؤاخذة”؟

 وأخيراً:

الحقيقة أن كلمة “مؤاخذة” رائعة لعدم إغفال خطأ المقاول مع عدم الزج به كسبب للحادث وتغريمه، يعني بشكل واضح أننا لم نسكت عنه ولكن سنحميه من العقوبة. وما يفسر ذلك هو إصرار التقرير على أن مؤاخذة الشركة لا يعني أنها تقتسم مسئولية الحادث مع الدوريات والهيئة.

 

مما أؤمن به أنك لا ترى مثل هذا التقرير في دولة متقدمة بل ولا تجده في أي دولة ترى أن لحياة المواطن قيمة. بل لا أحنث لو أقسمت أن هذه التقارير تتم صياغتها بدقة استجابة للمؤثرات الخارجية من ضغوط اجتماعية وأيدلوجية ومصالح شخصية بعيدة تماما عن الحيادية. 

 

وحتى يتضح المقصد من كلامي انظروا إلى هذين المثالين:

الأول: طفل يسقط في حفرية ممتلئة بالمياه فيغرق ويموت.. ثم لا تتم محاسبة احد بل يتم تغطية الحفرة مباشرة لإخفاء الجريمة والتستر على المجرم، مع كل التحية والتقدير لشركة المياه الوطنية ووزارة المياه والكهرباء. ودونكم والد الضحية@aboalwaleed2012  في تويتر فاسألوه عن جرح لا يندمل وعن نظام لا يأبه لحياة طفل أو شاب أو حتى شيخ كبير.

الثاني: مواطن يفقد كل أفراد عائلته بسبب عدم وجود أي احتياطات سلامة على أعمال الطرق ثم يعوض “بقيمة” كل فرد وكأن القتلى من بهيمة الأنعام يتم تثمينها بكل بساطة. نعم دفعوا له 183 ألف قيمة أسرته كاملة ليعود إلى بيته الخاوي وقد قبض “ثمن” أفراد أسرته ويعود رئيس البلدية لمكتبه ويعود الوزير لوزارته وكأن شيئا لم يكن.

http://www.alriyadh.com/2010/02/07/article496332.html

 

في المثالين السابقين وفي قبلهما وفي بعدهما آلاف الأمثلة على حجم المأساة لدينا. فهناك الكثير من الوفيات لا نعلم عنها ولا نهتم لها إلا في حالة واحدة إن كانت هذه الوفاة تشكل “مادة” جيدة للمتاجرة بالمبادئ وتسويق الأيدلوجيات، أقول هذا وأنا مؤمن به تماما ولكم أن تنظروا كيف ارتفعت الأصوات المطالبة بحفظ حياة الناس لما كانت الهيئة متهمة بالتسبب بالحادث، فلما ثبتت براءتها ارتفعت الأصوات في الجانب الآخر لا طلبا لمعرفة المتسبب الفعلي بقتل إنسان بل تبريكا وتهليلا لبراءة الهيئة،،،

 وفي خضم هذا التنازع يرقص المقاول (الذي تم مؤاخذته) على جراحنا ويضحك من تفكيرنا وينام نومة الهانئ قرير العين بمجتمع لا يرى لحياة المواطن قيمة أكثر من تحقيق نصر أيدلوجي في معركة الخاسر الأول فيها هو المجتمع بكل أطيافه في كل الأحوال. لذا أقول لكل أفراد المجتمع الغالي – لا مؤاخذة – نستاهل..

 

م. علي أحمد الحميد

مختص بالسلامة والصحة المهنية

26/8/1433هـ

16/7/2012م



علق على المقال

CAPTCHA Image
[ تغيير الصورة ]